فوزي آل سيف
16
معارف قرآنية
يتحدث الامام علي عليه السلام عن قربه من رسول الله وانسجامه معه ،وعن شدة اهتمام النبي به بما نقله الشريف الرضي في نهج البلاغة : ( وقَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعِي مِنْ رَسُولِ اللَّه صلى الله عليه وآله بِالْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ والْمَنْزِلَةِ الْخَصِيصَةِ، وَضَعَنِي فِي حِجْرِه وأَنَا وَلَدٌ يَضُمُّنِي إِلَى صَدْرِه، ويَكْنُفُنِي فِي فِرَاشِه ويُمِسُّنِي جَسَدَه، ويُشِمُّنِي عَرْفَه، وكَانَ يَمْضَغُ الشَّيْءَ ثُمَّ يُلْقِمُنِيه، ومَا وَجَدَ لِي كَذْبَةً فِي قَوْلٍ ولَا خَطْلَةً فِي فِعْلٍ، ولَقَدْ قَرَنَ اللَّه بِه صلى الله عليه وآله مِنْ لَدُنْ أَنْ كَانَ فَطِيماً أَعْظَمَ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَتِه، يَسْلُكُ بِه طَرِيقَ الْمَكَارِمِ، ومَحَاسِنَ أَخْلَاقِ الْعَالَمِ لَيْلَه ونَهَارَه، ولَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُه اتِّبَاعَ الْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّه، يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَخْلَاقِه عَلَماً، ويَأْمُرُنِي بِالِاقْتِدَاءِ بِه، ولَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِحِرَاءَ، فَأَرَاه ولَا يَرَاه غَيْرِي، ولَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَوْمَئِذٍ فِي الإِسْلَامِ، غَيْرَ رَسُولِ اللَّه صلى الله عليه وآله وخَدِيجَةَ وأَنَا ثَالِثُهُمَا، أَرَى نُورَ الْوَحْيِ والرِّسَالَةِ وأَشُمُّ رِيحَ النُّبُوَّةِ، ولَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّةَ الشَّيْطَانِ حِينَ نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَيْه صلى الله عليه وآله فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّه مَا هَذِه الرَّنَّةُ، فَقَالَ هَذَا الشَّيْطَانُ قَدْ أَيِسَ مِنْ عِبَادَتِه، إِنَّكَ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ وتَرَى مَا أَرَى، إِلَّا أَنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيٍّ ولَكِنَّكَ لَوَزِيرٌ[26]) وفي ذلك الوقت المبكر لم يكن هناك زيد بن ثابت ولا غيره من أصحاب النبي الذين بدؤوا بكتابة الوحي بعد الهجرة غالبا .. وحده الامام علي عليه السلام كان من اليوم الأول للبعثة مع النبي وشهد تنزل القرآن منذ ذلك الوقت ، ولعل هذه الجهة هي التي يشير إليها حديث الامام محمد الباقر : ( ما جَمَعَ من هذهِ الأمة أحدٌ القرآن غيرُ وصي مُحمد). وفي نص آخر في تقرير هذه الحقيقة يقول الامام علي عليه السلام (ما من آية في كتاب الله إلا وهي إملاء رسول الله وخط يدي)[27]. وبالنسبة لجمع القرآن ، فقد كان مكتوبا عند رسول الله صلى الله عليه وآله، ونسخته في بيت النبي، لكن حيث أنه ما دام النبي على قيد الحياة فإن القرآن الكريم لم يُختم بعد، ويُحتمل أن ينزل عليه الوحي بآية مثلاً. لذلك فإنه في آخر لحظات حياته صلى الله عليه وآله أوصى عليا عليه السلام أنه إذا قضيت نحبي ، هذا المصحف خلف فراشي وهو في القراطيس والحرير والقماش وغير ذلك، فخذه واجمعه حتى لا يختلف المسلمون فيه كما اختلفت اليهود في التوراة، فجمعه عليٌ كما أُنزل[28]. أخذ الإمام علي عليه السلام هذه القراطيس والجلود والأقمشة وذهب إلى بيته، وكان الناس قد انشغلوا في ذلك الوقت بقضية الخلافة والسقيفة ، بينما أمير المؤمنين بقي في بيته وقام بمهمتين: المهمة الأولى: توحيد كتابة هذا القرآن: كل قسمٍ من القرآن الكريم كان مكتوب في شيء مختلف، بعضه على ورق وبعضه على قماش وجلد وغيرها، فقام أمير المؤمنين بتوحيد هذا المكتوب وكتبه في شيء واحد .. يعني وحد ما يكتب عليه . المهمة الثانية: جمع القرآن كما أُنزل جمعه الإمام علي ٌ كما أُنزل. بمعنى لم يكن فيه أي زيادة أو نقيصة، وفي بعض الروايات لم يُغادر ألِفًا ولا لاما، أي حتى من الناحيةِ الإملائية والخطية. وأيضا يحتمل ان يكون الإمام عليه السلام رتب السور بحسب نزولها التاريخي، يعني مثلاً أول ما بدأ بالترتيب كانت سورة العلق ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ)، فمن المعروف أن هذه
--> 26 ) نهج البلاغة 2/ 157 27 ) تقدم ذكر مصدره 28 ) كما ورد في خبر الإمام الصادق عليه السلام